الجصاص

168

الفصول في الأصول

وأنه ليس فيما ذكره محمد من إسقاط حكم الخبرين إذا تساويا دلالة : على أن الأخبار الواردة في أحكام الدين حكمها : أن تكون محمولة على هذا الأصل ، ويكون الفرق بينهما : أن الحوادث التي لا نص فيها لا يخلو من أن يكون لها أصول من النصوص ، وأشباه ونظائر ، وإن لم يرد بحكمها خبر . فمتى خلت الحوادث من أن يوجد فيها أخبار الآحاد ، حمل على نظائرها من الأصول ، فإذا عارضت الأصول بعض الأخبار المتضادة كان الحكم له ، دون ما خالفته . وأما نجاسة الماء أو طهارته فليس له أصل يرد إليه إذا تعرت من الخبر ، فلذلك وجب عند تساوى الخبرين . ( 1 ) اطراحهما ، وبقاء الشئ على أصل ما كان عليه . وقد سوى عيسى بن أبان بين حكم الخبرين المتضادين إذا تعرى كل واحد منهما من أن يكون له مزية على صاحبه ، من شواهد الأصول ، فإن سبيلهما : أن يسقطا ، كأنهما ( 2 ) لم يرويا ، وجعلهما بمنزلة ما ذكره محمد رحمه الله في حكم الخبرين إذا أخبر أحدهما بطهارة الماء ، والآخر بنجاسته ، وتساويا ، ولم يكن له رأي . فيسقطان جميعا . وذكر نحوه عن ابن عباس وابن عمر : في الرجلين حين اختلفا في طلوع الفجر : أنهما أسقطا خبر هما وشربا . وقد كان الحسن يحتج لترجيح خبر ابن عباس على خبر يزيد بن الأصم ، في تزويج النبي عليه السلام ميمونة وهو محرم أو حلال : بأن ابن عباس أخبر عن أمر حادث علمه ، ويزيد من الأصم ، وأبو رافع ، ومن روى : أنه كان حلالا . إنما أخبر عن ظاهر ما كان علمه بدأ ، من حال النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يعلم حدوث إحرامه ، فكان خبر ابن عباس أولى . وكذلك من أخبر : أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت ، فقد أخبر عن حرية حادثة علمها ، لأنهم لم يختلفوا أن زوج بريرة قد كان عبدا مرة ، ومن قال كان عبدا . فإنما أخبر عن ظاهر ما كان عليه بدأ من رقه . ولم يعلم حدوث عتقه . وكذلك من روى : أن النبي عليه السلام رد زينب على أبي العاص بنكاح جديد . فقد على حدوث نكاح لم يعلمه من أخبر : أنه ردها بالنكاح الأول . فعلى هذا الاعتبار كان يجري حكم الأخبار المتضادة إذا كانت بالوصف الذي ذكرنا ، وظاهر ما يقتضيه حجاجه لتثبيت أحد الخبرين المتضادين اللذين وصفنا : أن نقول مثله في الخبرين بنجاسة الماء وطهارته ، فنجعل الخبر بالنجاسة أولى ، لأنه علم حدوث نجاسة لم يعلمه المخبر بطهارته ، وإن المخبر